الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

9

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

عليه قوله تعالى : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ [ العنكبوت : 48 ] . وعليه فاسم الإشارة مبتدأ و آياتُ خبره . وإضافة آياتُ إلى الْكِتابِ إضافة شبيهة بالبيانية وإن كان الكتاب بمنزلة الظرف للآيات باختلاف الاعتبار ، وهو معنى الإضافة البيانية عند التحقيق . ويجوز أن تجعل الإشارة ب تِلْكَ إلى حروف الر لأن المختار في الحروف المقطعة في فواتح السور أن المقصود من تعدادها التحدي بالإعجاز ، فهي بمنزلة التهجي للمتعلم . فيصح أن يجعل ( الر ) في محل ابتداء ويكون اسم الإشارة خبرا عنه . والمعنى تلك الحروف آيات الكتاب الحكيم ، أي من جنسها حروف الكتاب الحكيم ، أي جميع تراكيبه من جنس تلك الحروف . والمقصود تسجيل عجزهم عن معارضته بأن آيات الكتاب الحكيم كلها من جنس حروف كلامهم فما لكم لا تستطيعون معارضتها بمثلها إن كنتم تكذّبون بأن الكتاب منزل من عند اللّه ، فلو لا أنه من عند اللّه لكان اختصاصه بهذا النظم المعجز دون كلامهم محالا إذ هو مركب من حروف كلامهم . والكتاب : القرآن . فالتعريف فيه للعهد . ويجوز جعل التعريف دالا على معنى الكمال في الجنس ، كما تقول : أنت الرجل . والحكيم : وصف إما بمعنى فاعل ، أي الحاكم على الكتب بتمييز صحيحها من محرفها ، مثل قوله : وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ [ المائدة : 48 ] ، وقوله : وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ [ البقرة : 213 ] . وإما بمعنى مفعل بفتح العين ، أي محكم ، مثل عتيد ، بمعنى معد . وإما بمعنى ذي الحكمة لاشتماله على الحكمة والحق والحقائق العالية ، إذ الحكمة هي إصابة الحق بالقول والعمل فوصف بوصف ذي الحكمة من الناس على سبيل التوسع الناشئ عن البليغ كقول الأعشى : وغريبة تأتي الملوك حكيمة * قد قلتها ليقال من ذا قالها وإما أن يكون وصف بوصف منزّله المتكلم به ، كما مشى عليه صاحب « الكشاف » عند قوله تعالى : يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [ يس : 1 ، 3 ] .